اختيارات مهرجان الفيلم

بلغ مهرجان الفيلم العربي برلين عمر الشباب. فهذا هو عامه السابع عشر في مسيرته لإثراء شاشات مدينة برلين بروائع السينما العربية وأحدث إنتاجاتها. إلا أنه يدخل منطلق شبابه في زمن صعب، إن لم يكن بائسًا. زمن صارت فيه الكثير من القيم والمبادئ التي بدت ثابتة كالجبال، لا تراجع عنها أو رجعة فيها، مدعاةً للشكوك: كرامة الإنسان وحريته في طرائق عيشه وتعبيره. وبلاد المنطقة العربية تحديدًا صارت مختبرًا لدفع تلك الشكوك إلى منتهاها: إبادات جماعية في غزة وفي السودان، قصف إسرائيلي وحشي متواصل على لبنان، تهجير لمئات الآلاف من المواطنين/ات العزّل، دُمِّرت بيوتهم/ن واستحال عيشهم/ن. والعالم يصمت، إن لم يكن يبارك ضمنيًا بصمته، أو صراحةً بالتمويل والتأييد، دون اعتبار لمواثيق أو للإنسانية. هذا غير الكوارث البيئية، والفساد والاستبداد السياسي، والرقابة الخانقة للحريات، وأزمات الطاقة، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة في ظل الحروب والسياسات النيوليبرالية في الكثير من بلدان المنطقة.

أفلام الاختيارات في الدورة السابعة عشرة لمهرجان الفيلم العربي برلين تعكس مشاعر الألم، الغضب، الخوف، والإحباط من أوضاع العالم الراهنة، وتعبّر عن الزيف والهشاشة التي لحقت بقناعات ومفاهيم وطرائق للعيش، ظلّت لعقود طويلة فوق المساءلة، تمارس وتُفضي إلى أشكال مختلفة من العنف الطبقي والعنصري والسياسي والذكوري، وتبرّره بادعاء حتمية «التقدّم».

أفلام هذه الدورة تتصدى لهذه القضايا، تارةً بالتلميح وتارةً بصراحة حازمة، وهي تتناول على الأخص آثار أشكال العنف المختلفة هذه على الشخصي والخاص، على الروابط العاطفية والأسرية، وعلاقتنا بالزمان والمكان، بتاريخنا، أوطاننا، وأجسادنا. وهو تناول مقاوم، لا يكتفي بالشجب والشكوى، بل يسعى للتعبير عن مساعي التحرر، والبقاء، واستشراف المستقبل، وإعادة بناء ما تهدّم، وخلق ما انمحى.
حكايات الأرض الجريحة للمخرج عباس فاضل والأسود على نهر دجلة لزاردشت أحمد، فيلمان يرصدان فن البقاء في مواجهة الدمار والحرب: الأول عن جنوب لبنان الدامي تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة حتى لحظة كتابة هذه الافتتاحية، والثاني عن مدينة الموصل العراقية التاريخية بعد اجتياح قوات داعش لها. يسرد الفيلمان وقائع صمود شعوب البلدين، والإصرار على انتزاع المستقبل من أيدي من نهبوه، وعلى إعادة بناء أوطان وبيوت صارت أنقاضًا، والتمسّك بتاريخ عريق ومديد، حتى لو دُمِّرت آثاره المادية. الصمود وإعادة البناء يصبحان هنا مرادفًا للكرامة، للاستمرار في الحياة.

كذلك هي ابتسامة فاطمة حسونة الساحرة في فيلم ضع روحك فوق يدك وامش للإيرانية زيبدة فارسي، وأهازيج علوش وأغانيه في فيلم بلياتشو غزة لعبد الرحمن صباح، يمكن النظر إليها ليس فقط باعتبارها آيات باهرة لعبقرية الصمود في مواجهة الإبادة، بل كدلالات على أن فن البقاء في مواجهة الفقدان ومحاولات التصفية والإفناء المستمرة لا يتحقق إلا بالإصرار على تأديته، حتى وإن صار تحقيقه مستحيلاً أمام ماكينة قتل لا تتوقف.

لماذا أراك في كل شيء؟ للسورية رند أبو فخر يتناول بلغة شاعرية شديدة الرقة حيوات الوطن بعد دماره في المنفى، وكيف يصبح الحب أداة لإعادة تخيّله وخلقه وللاستمرار في الحياة. مواقع فيلم عائلي للمخرجة والباحثة المصرية-الألمانية فيولا شفيق يكشف لنا عن كُنه خلق الوطن والبيت رغم المسافات واغتراب الأمكنة وتعدد الألسنة، من خلال تناوله للسينما كوسيلة لإعادة خلق الذات. اغتراب لمهدي هميلي من تونس ورقية ليانيس قاسم من الجزائر يستحضران أشباح الماضي وآثار عنفه على الحاضر، وكأن المستقبل لا يمكن بلوغه إلا إذا أخذت العدالة مجراها وصُفّيت الحسابات المغلقة مع من أفشى فساده وتوحّشت جرائمه. اغتراب يفعل ذلك باستلهامه لتقاليد وجماليات أفلام الغموض والإثارة، ورقية من خلال تطويره لتقاليد أفلام الرعب، باستخدام عناصر سردية وجمالية نابعة من الثقافة المحلية حول الجن واستخراجه.

بعض الأفلام تلجأ إلى القالب التاريخي، ربما في محاولة لمواجهة محاولات المحو والتهميش، أو لإعادة فهم الحاضر على ضوء الماضي. فلسطين ٣٦ لآن ماري جاسر يعيد للأذهان ذكرى مجهودات المقاومة الفلسطينية ضد الاستعمار والمشروع الاستيطاني الصهيوني قبل النكبة، ويركّز على ما سبقها من تكوينات استعمارية مهّدت لها، وما زالت فاعلة في حاضر الفلسطينيين والفلسطينيات. الست للمخرج مروان حامد، والذي تجسّد فيه النجمة المصرية منى زكي شخصية المطربة الأسطورة أم كلثوم (١٨٩٨–١٩٧٥)، يعيد قراءة تاريخ مصر المعاصر من خلال استعراض محطات من حياة فنانة استثنائية، حيث تشابكت مسيرتها الفنية مع مسيرة وطنها: انتصاراته، هزائمه، وتوقه إلى الحداثة والتحرر.

مملكة القصب لحسن هادي، المعروف كذلك «بـكعكة الرئيس»، يطلعنا على مرحلة مهمة من تاريخ العراق تحت سلطة صدام حسين، من خلال وجهة نظر فتاة صغيرة، مشيرًا إلى ما يعنيه العيش في بلد محاصر سياسيًا واقتصاديًا، وكيف يمكن للسياسات الإمبريالية أن تفاقم معاناة الشعوب بدلًا من تحريرها. فلانة للعراقية زهرة غندور يتأمل في عواقب القمع السياسي والاحتلال والفوضى، وأبعاد ذلك الجندرية، من خلال قصص نساء تعرضن للاختفاء في ظروف غامضة.

حبيبي حسين لألكس بكري وشكرًا لأنك تحلم معنا لليلى عباس يأخذاننا إلى الضفة الغربية في فلسطين لنشهد وقائع العيش من وجهة نظر مختلفة، في أماكن مختلفة، جنين ورام الله، وأزمنة مختلفة في ظل الاحتلال. بينما يتعرض حبيبي حسين بالنقد لخطاب التعاطف القائم على مساعدات فارغة لا تمس البنى الهيكلية للعنف، يبرز شكرًا لأنك تحلم معنا المتاعب التي تواجهها نساء الطبقة الوسطى بين مطرقة الاحتلال وسندان التقاليد الذكورية.

من يراقبون لكريمة سعيدي يأخذنا إلى المحطة الأخيرة: الموت، من خلال تتبّعه لمجموعة من الشخصيات التي فقدت عزيزًا أو عزيزة، وطقوسهم/ن في التذكر والتعامل مع الفقدان، عبر زياراتهم/ن لمقبرة متعددة الأديان في أحد ضواحي بروكسل. أما الحياة بعد سهام للمخرج المصري نمير عبد المسيح، فهو محاولة حميمية ورقيقة لتصوّر الحياة بعد فقدان الأم، حيث تستقصي السردية محاولة صنع فيلم عنها لم يعد ممكنًا، فيُستعاض عنه بفيلم بديل يمزج بين الأرشيف الشخصي والسينمائي المصري، مستعينًا بإرث يوسف شاهين بصورة مبتكرة، ليطرح أسئلة هامة حول الهجرة والانتماء والهزيمة وأبعادها الجندرية والسياسية.

اختيارات هذا العام هي الأكبر في تاريخ المهرجان من حيث عدد الأفلام وتنوع موضوعاتها وبلدان إنتاجها. فثمة أفلام طويلة روائية ووثائقية من مصر، المغرب، الأردن ولبنان، إضافة إلى ثلاثة برامج من الأفلام القصيرة شديدة التميز. تجرب هذه الأفلام أشكالًا جديدة في السرد والصورة، وتفكك رواسب الاستعمار وتوابعه، وترصد مآزق الكوارث البيئية والاقتصادية، وغياب العدالة والحرية، بما يخنق ممكنات المنطقة ويهدد مستقبلها، وتتفاعل مع تجارب شعوبها في الحب والحياة ومواجهة الموت والخوف من المجهول.

إضافة إلى أفلام الاختيارات، يسعدنا تكريم عدد من الشخصيات المؤثرة في تاريخ السينما العربية التي رحلت عن عالمنا مؤخرًا، مثل الممثل الفلسطيني الكبير محمد بكري، والمخرج المصري الراحل داوود عبد السيد، إلى جانب احتفالية خاصة بالمخرج يوسف شاهين في ذكرى ميلاده المئة. أما ضيف شرف الدورة السابعة عشرة، فهو الفنان المصري الكبير، مهندس الديكور أنسي أبو سيف، الذي أثرى السينما العربية بعشرات الأعمال منذ نهاية السبعينيات وحتى اليوم.

من خلال مختلف الأنشطة التي تقدمها هذه الدورة، إلى جانب عروض الأفلام، من ندوات وورش ولقاءات، نسعى إلى التأكيد على أهمية المهرجان كفضاء للالتقاء والتشارك، ولتمكين الذات. فلا يكفي أن نعرف العالم كما يُقدَّم لنا عبر السينما؛ بل ينبغي أن نُفعِّل السينما كأداة لإنتاج أشكال من المعرفة التي تعزّز القدرة على الفعل، وتُسهم في جعل الحياة ممكنة ومحتملة في زمن الإبادة.

أفلام اختيارات مهرجان الفيلم السابع عشر